فخر الدين الرازي

294

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

من علماء أهل الكتاب آية موافقة لقول الرسول ، وعلى كلا الوجهين ، فالتفسير ظاهر ، ولمنكري القياس أن يحتجوا بهذه الآية ، وذلك لأن الرسول عليه السلام طالبهم فيما ادعوه بكتاب اللّه ، ولو كان القياس حجة لكان لهم أن يقولوا : لا يلزم من عدم هذا الحكم في التوراة عدمه ، لأنا نثبته بالقياس ، ويمكن أن يجاب عنه بأن النزاع ما وقع في حكم شرعي ، وإنما وقع في أن هذا الحكم ، هل كان موجوداً في زمان إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السلام أم لا ؟ ومثل هذا لا يمكن إثباته إلا بالنص ، فلهذا المعنى طالبهم الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه ، بنص التوراة . ثم قال تعالى : فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ الافتراء اختلاق الكذب ، والفرية الكذب والقذف ، وأصله من فرى الأديم ، وهو قطعه ، فقيل للكذب افتراء ، لأن الكاذب يقطع به في / القول من غير تحقيق في الوجود . ثم قال : مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب ، ولم يكن محرماً قبله فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ المستحقون لعذاب اللّه لأن كفرهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن أضلوه عن الدين . ثم قال تعالى : قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ويحتمل وجوهاًأحدها : قُلْ صَدَقَ في أن ذلك النوع من الطعام صار حراماً على إسرائيل وأولاده بعد أن كان حلالًا لهم ، فصح القول بالنسخ ، وبطلت شبهة اليهود وثانيها : صَدَقَ اللَّهُ في قوله إن لحوم الإبل وألبانها كانت محللة لإبراهيم عليه السلام وإنما حرمت على بني إسرائيل لأن إسرائيل حرمها على نفسه ، فثبت أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم لما أفتى بحل لحوم الإبل وألبانها ، فقد أفتى بملة إبراهيم وثالثها : صَدَقَ اللَّهُ في أن سائر الأطعمة كانت محللة لبني إسرائيل وأنها إنما حرمت على اليهود جزاءً على قبائح أفعالهم . ثم قال تعالى : فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً أي اتبعوا ما يدعوكم إليه محمد صلوات اللّه عليه من ملة إبراهيم ، وسواء قال : ملة إبراهيم حنيفاً ، أو قال : ملة إبراهيم الحنيف لأن الحال والصفة سواء في المعنى . ثم قال : وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي لم يدع مع اللّه إلهاً آخر ، ولا عبد سواه ، كما فعله بعضهم من عبادة الشمس والقمر ، أو كما فعله العرب من عبادة الأوثان ، أو كما فعله اليهود من ادعاء أن عزير ابن اللّه ، وكما فعله النصارى من ادعاء أن المسيح ابن اللّه ، والغرض منه بيان أن محمداً صلوات اللّه عليه على دين إبراهيم عليه السلام ، في الفروع والأصول . أما في الفروع ، فلما ثبت أن الحكم بحله كان إبراهيم قد حكم بحله أيضاً ، وأما في الأصول فلأن محمداً صلوات اللّه وسلامه عليه لا يدعو إلا إلى التوحيد ، والبراءة عن كل معبود سوى اللّه تعالى وما كان إبراهيم صلوات اللّه عليه وسلامه إلا على هذا الدين . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 96 إلى 97 ] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 97 ) [ قوله تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ] قوله تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه الأول : أن المراد منه الجواب عن شبهة أخرى من شبه اليهود في إنكار نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأنه عليه السلام لما حول القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته ،